أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

مقدمة 11

العمدة في صناعة الشعر ونقده

ليلة ؛ لأنهم يعرفون أنني كنت أدخلها كل يوم خميس ونحن في المرحلة الثانوية وكنا في الريف ، فما بالنا إذا كنا في القاهرة ! ! - وفي أثناء دراستنا في الكلية فوجئنا بقانون تطوير الأزهر ، فكان هذا بمثابة قتل لنا نحن الأزهريين جميعا ، الفقراء والأغنياء على السواء ؛ وذلك لأننا تجمّدنا سنة كاملة سمّيت سنة التطوير ، وكنا لا نستطيع أن نسمى هذه السنة التسميات المعروفة لدينا وهي السنة الأولى أو الثانية إلى آخره ، ولذلك قال أحد الزملاء الظرفاء : إن هذه السنة كالبغل لا هي حمار ولا هي حصان ، وانتهت هذه السنة بحلوها ومرها ، ولم نستفد منها إلا دراسة بعض مواد لم نكن درسناها في السنتين السابقتين ، وكان من نصيبي أن أدرس اللغة العبرية . ولما انتظمنا في دراستنا في العام التالي وهي السنة الثالثة فوجئنا بمجموعة من أساتذة كلية دار العلوم يدرسون لنا ، كان على رأسهم أستاذي الدكتور محمد غنيمى هلال - رحمه اللّه - الذي كان يدرس لنا كتابه من قضايا النقد الأدبي ، الذي سماه فيما بعد قضايا النقد الأدبي ، ولهذا التغيير قصة ليس هنا مجال ذكرها . وفي أثناء شرحه لنا ذكر أن بندتو كروتشيه يقول : إن العلم المجرد إذا سيطر على القصيدة فإنه يحولها من شعر إلى نظم ، وكان - رحمه اللّه - يذكر هذا القول ويمجد صاحبه الذي كشف عن شيء خبئ لم ينتبه إليه الآخرون . وبعد المحاضرة سرت مع أستاذي وذكرت له أن ابن رشيق القيرواني قال في العمدة شيئا مثل هذا ، وهو قبل هذا الناقد الخواجة ، فضحك - رحمه اللّه - وقال لي : هات لي كتاب العمدة ، فكان هذا سببا في أن أشترى كتاب العمدة ، وأقتطع جزءا من المال الذي آكل منه ، وللأسف ضاعت هذه النسخة ، واشتريت غيرها بعد سنوات ، فلما أريته ما قاله ابن رشيق 1 / 128 : والفلسفة وجر الأخبار شيء آخر غير الشعر . . . - فرح فرحا كبيرا وقال لي بأدب وتواضع العلماء : إنني قرأت هذا الكتاب ولم أنتبه لهذا القول ، وكان ذلك سببا في صداقة كبيرة جرّت علىّ متاعب كثيرة ليس هنا مجال ذكرها « 1 » . - وانتهت مرحلة الدراسة بحلوها ومرها ، ولم تنته علاقتى بالعمدة فأخذت أقرأ ما فيه بتأنّ بعد أن فتحت لي الدراسة الجامعية كثيرا من مغاليق هذا الكتاب ، وكنت أظن أن حصولي على الدكتوراه هو آخر المطاف في مجال البحث العلمي ، ولكنني فوجئت

--> ( 1 ) سأذكر ذلك إن شاء اللّه في كتابي : أكثر من نصف قرن تحت العمامة وبين أصحابها .